الشريف المرتضى
46
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
[ الدليل على أنّ نظم القرآن ليس بمعجز ] والذي يدلّ على أنّ نظم القرآن ليس بمعجز بنفسه : أنّا نعلم أنّ كلّ قادر على الكلام العربيّ ، ومتمكن من تقديم بعضه على بعض وتأخير بعضه عن بعض ، لا يعجز أن يحتذي نظم سور القرآن بكلام لا فصاحة له ، بل لا فائدة فيه ولا معنى تحته ، فإنّ ذلك لا يضرّ ولا يخلّ بالمساواة في طريقة النّظم . وقد رأينا كثيرا من السّخفاء والمجّان « 1 » يعارضون - على طريق العبث والمجون - الشّعراء المتقدّمين والخطباء المجوّدين ، فيوردون مثل القصيدة والخطبة في الوزن والطريقة ، بكلام سخيف المعنى ركيك اللّفظ ، بل ربّما لم يكن له معنى مفهوم . وقد فعل ذلك أبو العنبس الصّيمريّ « 2 » بالبحتريّ بين يدي المتوكّل « 3 » ، فأجازه ووصله « 4 » . فالمساواة في النّظم حاصلة ، ولكنّها في إصابة المعنى وجزالة اللّفظ متعذّرة . وعلى هذا أكثر شعر الصّيمريّ « 5 » ، وشعر أبي العبر « 6 » ؛ فإنّ في أشعار هؤلاء
--> ( 1 ) الماجن : الهازل ، والجمع مجّان ومجنة . ( 2 ) هو محمّد بن إسحاق بن إبراهيم الصّيمريّ ، أبو العنبس الكوفيّ ، ولي قضاء الصّيمرة فنسب إليها ، نديم المتوكّل والمعتمد العبّاسيّين . كان أديبا ظريفا ، وشاعرا هجّاء خبيث اللسان . وله مناظرة مع البحتريّ . توفّى سنة 275 ه . ( 3 ) هو جعفر بن محمّد العبّاسيّ ، أبو الفضل ، الخليفة العبّاسيّ العاشر ، ولد ببغداد عام 261 ه ومات غيلة عام 247 ه . كان فاسقا فاجرا يعادي أمير المؤمنين عليه السّلام وأهل بيته الطاهرين عليهم السّلام . ( 4 ) انظر ما وقع بينهما في معجم الأدباء 18 / 12 - 14 . ( 5 ) في الأصل : الطرميّ ، والظاهر أنّه الصّيمريّ المتقدّم ذكره . ( 6 ) أبو العبر ، محمّد بن أحمد العباسيّ ، الهاشميّ ، القرشيّ ، البغداديّ ( توفّي سنة 250 ه ) ، نديم شاعر ، أديب ، حافظ للأخبار ، كان يمدح الخلفاء ، من كتبه : جامع الحماقات وحاوي الرقاعات ، والمنادمة ، وأخلاق الخلفاء والأمراء . كان في أوّل أمره يسلك في شعره الجدّ ، ثمّ عدل إلى الهزل والحماقة فنفق بذلك نفاقا كثيرا .